ابن رشد
12
تهافت التهافت
ممالأة للعامة « 1 » ، وبالجملة فإذا كان « لكل جواد كبوة ، فكبوة أبي حامد هي وضعه كتاب تهافت الفلاسفة ، ولعله اضطر إلى ذلك من أجل أهل زمانه ومكانه » « 2 » . ولذلك تجرد ابن رشد ليعرف مرتبة أقاويل الغزالي في الحق وذلك هو المقصود الأول في كتاب تهافت التهافت « 3 » . والسعي إلى الكشف عن الحق ، والمعروف عرفانا يقينيا في جميع الموجودات ، حمل ابن رشد للدفاع عن الحكمة ورفع تهمة الكفر والبدعة عن الحكماء . والحكمة عنده مرادفة للفلسفة وقدم مفهومة للحكمة في قوله : « وأعني بالحكمة النظر في الأشياء بحسب ما تقتضيه طبيعة البرهان » « 4 » . وقد ميز بدقة بين الأقاويل البرهانية والأقاويل الجدلية وبيّن طريقة التمييز بينهما . يقول : « إن الأقاويل البرهانية ، إنما تتميز من الأقاويل الغير برهانية إذا اعتبرت بجنس الصناعة الذي فيه النظر ، فما كان منها داخلا في حد الجنس ، أو الجنس داخلا في حده ، كان قولا برهانيا ، وما لم يظهر فيه ذلك كان قولا غير برهاني » « 5 » . ثم أن « مقدمات البراهين هي من الأمور الجوهرية المتناسبة » « 6 » ، ولذلك « متى وقع في النفس أن القول جوهري لذلك الجنس أو لازم من لوازم جوهره صح القول ، وأما متى لم تخطر هذه المناسبة بذهن الناظر ، أو خطرت خطورا ضعيفا ، فإن القول ظني لا يقيني ، ولذلك كان الفرق بين البرهان والظن الغالب في حق العقل ، أدق من الشعر عند البصر ، وأخفى في النهاية التي بين الظل والضوء ، وبخاصة في الأمور المادية عند قوم لاختلاط ما بالذات فيها مع ما بالعرض » « 7 » . وهو يرى أن الأقاويل البرهانية قليلة جدا « 8 » وهي خاصة بالفلاسفة . ومن لم يتعلم صنائع البرهان ليس يمكنه أن يفعل صناعة البرهان وهو البرهان بعينه « 9 » . والذي فعله الغزالي أنه جرد أقاويل الفلاسفة من الصنائع البرهانية فحولها إلى أقاويل جدلية « 10 » .
--> ( 1 ) المصدر نفسه ، ص 79 . ( 2 ) المصدر نفسه ، ص 79 . ( 3 ) المصدر نفسه ، ص 120 . ( 4 ) المصدر نفسه ، ص 232 . ( 5 ) المصدر نفسه ، ص 231 . ( 6 ) المصدر نفسه ، ص 231 . ( 7 ) المصدر نفسه ، ص 231 . ( 8 ) المصدر نفسه ، ص 191 . ( 9 ) المصدر نفسه ، ص 241 . ( 10 ) المصدر نفسه ، ص 231 .